تفاصيل الموضوع

اعتماد برنامج الماجستير العالية في الأديان والمذاهب الفكريَّة  بقسم العقيدة بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

تاريخ الموضوع : 30-11-2019 الموافق السبت 3 ربيع الثاني 1441 هـ | عدد الزيارات : 158

 

اعتماد برنامج الماجستير العالية في الأديان والمذاهب الفكريَّة 

بقسم العقيدة بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة 


 

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ([1])

 يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا. ([2])

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا  ([3]).

فإن خير الحديث كتاب الله، وخـير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

أما بعد :

فبمناسبة اعتماد برنامج الماجستير العالية في الأديان والمذاهب الفكريَّة  بقسم العقيدة بالجامعة الإسلامية ،اكتب هذه المقالة الموجزة في بيان أهمية دراسات  تخصصات العقيدة  ، والعناية بها ، وأهمية دراسة علم الأديان العلم الذي تميز به علماء المسلمين ، وحازوا السبق في التأليف فيه ؛ فعلم العقيدة وما يتعلق به من فروع ومجالات بحثية من العلوم الرئيسة التي تساهم في نشر القيم الإسلامية ،والاعتدال و الوسطية ،ونبذ العنف ومحاربة التطرف بكل أنواعه ، و توجيه الشعوب ودعم سلوكها المنضبط ،والمهتم بدراسة الجوانب الدينية والتعليمية، والسياسية والحضارية والأمنية بحاجة لجميع التخصصات المتعلقة بعلم العقيدة وفروعه ومجالاته المتنوعة سواء المتعلقة بالتوحيد والإيمان بالله وما يتبع ذلك ،أو المتعلقة بالفرق والمقالات والحركات المعاصرة ، والاتجاهات والتيارات الفكرية أو القضايا المتعلقة بالأمن الفكري ،والمباحث المتعلقة بالوسطية والاعتدال ،ونبذ العنف والتطرف والإرهاب ،وكذلك مباحث علم الأديان المتنوعة وما يتبع ذلك من دراسة تاريخ الأديان ونشأتها وأسسها وعقائدها والجذور والمؤثرات والمتغيرات وقضايا الحوار والتعايش .

 وبنظرة تأملية فقط لفروع هذا العلم ،وتفصيل ما يندرج تحته من علوم وقضايا تدرك أهميته وعظم الحاجة إليه ،ولهذا جميع الدول  تهتم بالعلوم المتعلقة بالاعتقاد ،وذلك لعظيم الأثر المترتب عليه في  توجيه الشعوب وضبط سلوكها والإيمان بقضاياها ،ولهذا العلم عقدت الدورات والمؤتمرات وانشئت الكليات ،وعملت البرامج ؛ بل أعظم من ذلك فالعقيدة الصحيحة هي عنوان السعادة الأبدية ،وأصل الدين ، وأساس الملة ،ورحم الله الإمام الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز حيث رأى البدء في العقيدة، وتخصيص الموضوعات التي تدخل ضمنها في جمع فتاواه ورسائله ([4]) إدراكا منه لأهمية العقيدة ،وكان رحمه الله كثيرا ما يوصي بالعقيدة الصحيحة ويدعو إليها ،وينبه على مسائلها ويشرح كتبها مرات ومرات لا يكل ولا يمل كما هو الشأن في العلماء المصلحين من هذه الأمة .

ومنسوبو أقسام العقيدة في الجامعات من أولى من يهتم بالعقيدة ونشرها وبيانها والتأليف فيها والاهتمام بتخصصاتها وفروعها ،وأولى الناس بالمشاركة في وضع البرامج المهمة وإقامة الدورات المفيدة والدروس النافعة ،وتبصير الناس بكل الأخطار التي تنتج عن مخالفة عقيدة سلف هذه الأمة المبنية على الكتاب والسنة وعلى الوسطية والاعتدال كخطر التكفير والتفجير والتدمير وسائر أنواع التطرف والإرهاب ، فجزى الله قسم العقيدة بالجامعة الإسلامية على هذا البرنامج المهم ،والذي يعط  علم الأديان والمذاهب الفكرية حظه من الوقت والتأصيل والبحث العلمي ،ويساهم  في توفير عدد من المتخصِّصين في الجامعات السعوديَّة والمؤسَّسات العلميَّة، والتخصُّصات ذات العلاقة في الجامعات العالميَّة الأخرى ،وتأهيل خرِّيجين يُشاركون في البناء العلمي العَقَديّ والحوار الحضاري للدُّول الَّتي ينتمون اليها، وبهذا المناسبة أتمنى من أقسام العقيدة بالجامعات السعودية زيادة أعداد البرامج التي تُقدِّم مخرجات ضروريَّة تُسهم في نشر وتحقيق الوسطيَّة المتمثلة في منهج أهل السنَّة والجماعة، ونشره محليًّا وعالـميًّا.

وعلم الأديان من أهم العلوم التي يحتاج إليها في هذا العصر الذي أصبح العالم فيه كالمدينة الواحدة ؛ وأبوابه مفتوحه مشرعة ،والمعلومات تتناقل بكل يسر وسهولة لا حدود لها ،وتنقل عبر وسائط متعددة ،وتصل إلى أكبر عدد ممكن ،وتغلف المعلومات بالدعاية والتشويق والزخرفة ،وتربط بالدراسات الحديثة والبحوث العلمية ،ويستغل ذلك أصحاب الأهداف والتوجهات المختلفة ؛فمع هذا الكم الهائل من المعلومات التي تصل إلى عموم الناس لا بد من التمييز والتمحيص والتدقيق والتأصيل ،وبيان الحق ودحض الباطل ،ورد الأمور إلى نصابها الصحيح ، والدعوة إلى الحق والهداية إليه بالحكمة والموعظة الحسنة، وإعداد الكفاءات العلمية عبر برامج  نوعية ،ولهذا من أولى من يهتم  بعلم الأديان الداعية إلى الله الذي يدعو إلى الله على بصيرة ،وكذلك المدافعون عن دين الإسلام الحق الذي ختم الله به جميع الأديان وأظهره عليها بالهدى والحق وبالحجة والبرهان ، وميزه بمزايا ومحاسن لا توجد في غيره فهو أحسن الأديان وأفضلها وأقومها هديا وسبيلا ،وقد بين الله في كتابه الكريم ،ورسوله صلى الله عليه وسلم ما يتعلق بالأديان عقيدة ووصفا وتاريخا ،وما يتبع ذلك من نقض وإبطال وبيان ،ومجادلة بالتي هي أحسن ،وكان بعض الصحابة الكرام على علم وبصر نافذ في معرفة الأديان لا سيما من آمن من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وتميم الداري وسلمان الفارسي رضي الله عنهم وغيرهم ،وكذلك اهتم بهذا العلم سائر العلماء من هذه الأمة في كل عصر وقرن ، وألفوا في ذلك المؤلفات النافعة والسديدة ، وحازوا السبق في وصف الأديان وبيان ما اشتملت عليه من عقائد وأحكام وطوائف وفرق ،وتضمنت كتبهم دقائق كثيرة ومباحث نفيسة في الذب عن الإسلام ،وبيان أنه الدين الذي ارتضاه الله لعباده ،ولا يقبل من الأديان سواه كما قال تعالى : {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85].

وقد ذكر الباحثون في علم الأديان أنه يشتمل على ثلاثة مباحث رئيسة ([5]) ،وتحت كل مبحث موضوعات ،وتحت هذه الموضوعات فروع ومفردات كثيرة ممكن تفصيلها وتشعيبها ؛ فأول هذه المباحث : تاريخ الأديان ويهتم بدراسة الأديان ونشأتها وتطورها وتأثيرها على المجتمع الإنساني ،ولمعرفة أهمية هذا المبحث لك أن تتصور الحقبة الزمنية التاريخية المتعلقة بالأديان وحضارات الأمم منذ النشأة الأولى مرورا بعصور الأنبياء السابقين إلى العهد الجاهلي وإلى ما بعد الإسلام إلى عصرنا الحاضر ،وهذا التصور فقط في المدة الزمنية فبما ظنك بما يصاحب ذلك من أحداث ووقائع وأطوار ،وما يتبع ذلك من بحوث وصفية وتحليلية ونقدية، ودراسة اتجاهات ومتغيرات ،ودراسة للوثائق والأسفار التاريخية وتوظيف الدراسات التاريخية في الدراسات ذات العلاقة .

وثاني هذه المباحث : مبادئ الأديان والأسس التي قامت عليها من عقيدة وشريعة وأحكام وسلوك ومعاملات وطقوس وأعياد .

وقد تناول القرآن الكريم والسنة المطهرة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام شئيا كثيرا من وصف عقائد أهل الكتاب والمشركين وبيانها ،وبيان بطلانها وآثارها الوخيمة على المجتمعات والأفراد مع التحذير من سلوك سبيل الذين ظلموا وافترقوا واختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات،وفي دراسة هذه المبادئ دراسة لهذه الآيات والأحاديث ،وما تضمنته من المعاني والأحكام ،وقد ذكر الله في القرآن الكريم سبع ديانات هي اليهودية ، والصابئة ،والنصرانية ، والمجوس ،والذين أشركوا ، والدهرية ، والإسلام ذلك الدين القويم المهمين على كل الديانات .

ولإدراك تشعب هذا المبحث وكثرة فروعه تأمل حديث النبي صلى الله عليه وسلم في افتراق اليهود والنصارى على أكثر من أحدى وسبعين فرقة .

وثالث المباحث : مقارنة الأديان ودراسة الخصائص والمميزات لكل دين لغرض المقارنة بينهما ، وهذه المقارنة لا تقتضي ولا تستلزم المماثلة ، وإنما يراد بها بيان ما عليه هذه الأديان غير الإسلام من الكفر والضلال ودراسة أثرها وما تولد منها من الشرور والآثام مع بيان محاسن دين الإسلام الذي يدعو لكل فضيلة وخير وصلاح .

والمقارنة تستوجب دراسة الأديان تاريخيا ووصفا، ودراسة مبادئها وعقائدها وأسسها التي قامت عليها ،وبهذا يظهر ترابط هذه المباحث الثلاثة وتكاملها مشكلة بذلك علما من أهم العلوم  التي ينبغي العناية بها وإعطاها حقها من التأصيل والدراسة والبحث العلمي كما أولاها علماء المسلمين قديما وحديثا بالبحث والتأليف .

وصلى الله وسلم على رسوله وآله وصحبه أجمعين

                                                كتبه أ.د بدر بن مقبل الظفيري 

                                   عميد كلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة الإسلامية

 


([1]) سورة آل عمران آية: 102.

([2]) سورة النساء آية :1.

([3]) سورة الأحزاب آية: 70-71.

([4]) انظر مقدمة مجموع فتاوى العلامة عبد العزيز بن باز رحمه الله(1/6).

([5])انظر: علم دراسة الأديان عند المسلمين لشيخنا الأستاذ الدكتور محمود عبد الرحمن قدح (ص/23).

Bookmark and Share