أخبار الجمعية السعودية
يتقدم أعضاء جمعية عقيدة بالعزاء والمواساة لطلاب العلم ولأسرة فضيلة الشيخ الاستاذ الدكتور وليد العلي- الأستاذ بجامعة الكويت، وعضو الجمعية- رحمه الله وبلغه منازل الشهداء « » الفائزون في المسابقة الأولى في مجلة الدراسات العقدية « » تحميل الرسائل المسجلة في جامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن « » تقيم الجمعية العلمية السعودية لعلوم العقيدة والأديان والفرق والمذاهب بالتعاون مع كلية الدعوة وأصول الدين دورة، بعنوان: صناعة الوعي ضد الأفكار المنحرفة « » يقدم مركز يقين الدورة التأهيلية الثانية (الإلحاد المعاصر) في الرد على شبهات التيارات الهدامة المعاصرة « » الجمعية العلمية السعودية لعلوم العقيدة والأديان والفرق والمذاهب تقيم دورة علمية بعنوان: « » الفائزون في المسابقة العقدية الثانية في برنامج (مسائل في العقيدة) لعام 1438هـ « » يسر اللجنة النسائية للجمعية العلمية السعودية لعلوم العقيدة والأديان والفرق والمذاهب أن تعلن عن عدد من الدروس العلمية « » يتقدم منسوبو جمعية (عقيدة) بتهنئة فضيلة الأستاذ الدكتور علي بن محمد الشهراني (عضو الجمعية) بمناسبة تعيينه عضو في مجلس الشورى؛ متمنين لفضيلته التوفيق والسداد. « » رئيس مجلس إدارة الجمعية الأستاذ الدكتور صالح بن عبد العزيز سندي يشارك في فعاليات مؤتمر « » جلسة لمجلة الدراسات العقدية « » حلقات مسابقة برنامج مسائل في العقيدة (الثانية) لعام1438هـ « » مسابقات جمعية (عقيدة) لعام 1438هـ « » تعلن جمعية (عقيدة) عن منحة كريمة لمنسوبي الجمعية مقدمة من بيت الخبرة للاستشارات القضائية « » يتقدم منسوبو جمعية العقيدة بتهنئة معالي الدكتور حاتم بن حسن المرزوقي بمناسبة صدور الأمر الملكي الكريم بتعيينه مديرًا للجامعة الإسلامية، متمنين لمعاليه التوفيق والسداد وللجامعة المزيد من التقدم في ظل إدارته وتحت رعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود حفظه الله « »
أخبار العقيدة
فتاوى فى العقيدة
روابط فى العقيدة
 
 







المتواجدون الان

4

عدد زوار الموقع

4155720
تفاصيل الموضوع


أين ترونهم من قوله تعالى: (ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم).

أين ترونهم من قوله تعالى: (ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم).

تاريخ الموضوع : 3/10/2016 الموافق الإثنين 2 محرم 1438 هـ | عدد الزيارات : 737

  الحمد لله منزل الكتاب، ومجري السحاب وهازم الأحزاب، ومجزل لعباده المؤمنين الأجر والثواب

والصلاة والسلام على من بعثه الله بالحق والصواب، محمد و آله وصحبه أولي الحجى والألباب ومن اتبعهم بإحسان ونهج نهجهم وأناب.

أما بعد:.

فإن مكانة الحرمين الشريفين عظيمة عند الله وعند عباده المؤمنين، فلا تشد رحال المؤمنين إلا إليهما وإلى المسجد الأقصى، قال صلى الله عليه وسلم: «لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ: المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى»([1]).

 فالحرم المكي فيه بيت الله مهوى أفئدة المسلمين، وقبلتهم في مشارق الأرض ومغاربها، وأمنه ضرورة للإسلام والمسلمين، سماه الله بالحرم الآمن، قال تعالى ممتن على عباده بنعمة الأمن فيه:{أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِن لَّدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُون} ([2]).

و   ((أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُون))([3]).

حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام إلى يوم القيامة، قال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ الْقِتَالُ فِيهِ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَمْ يَحِلَّ لِي إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلَا يَلْتَقِطُ إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا، وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَ».([4])

وتوعد الله من يريده بظلم وتعدي وانتهاك لحرماتها بالعذاب الشديد، فقال تعالى:((إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاء الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيم))([5]).

قال ابن القيم – رحمه الله - :" وفعل الإرادة لا يتعدى بالباء، ولكن ضُمِّن معنى يهم فيه بكذا، وهو أبلغ من الإرادة، فكان في ذكر الباء إشارة إلى استحقاق العذاب عند الإرادة وإن لم تكن جازمة" ([6]).

وقال العلامة عبد العزيز بن باز – رحمه الله - :"من همَّ بالإلحاد في الحرم المكي : فهو متوعَّد بالعذاب الأليم"([7]).

والإلحاد يعني الميل عن الدين الحق الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم إلى غيره، وهو دركات متفاوتة، منها ما يخرج من الملة ومنه ما ينقص الإيمان أو يقدح فيه.

كماحَرَّمَ النبي صلى الله عليه وسلم المدينة النبوية كما حرم إبراهيم عليه السلام مكة المكرمة، قَالَ عليه الصلاة والسلام عندما طلع لَهُ أحد: «هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ، اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وَإِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا»([8])و قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم:«إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا، لَا يُقْطَعُ عِضَاهُهَا، وَلَا يُصَادُ صَيْدُهَا»([9]).

وقال صلى الله عليه وسلم: « الْمَدِينَةُ حَرَمٌ مِنْ كَذا إلى كَذا، لا يُقطَعُ شَجرُها، ولا يُحْدَثُ فيها حَدَثٌ، مَن أَحْدث فيها حَدَثاً أو آوى مُحْدِثاً؛ فَعَلَيْهِ لَعنةُ الله والملائكةِ والناسِ أَجمعينَ» ([10]).

وقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « المَدِينَةُ حَرَمٌ مِنْ عَيْرٍ إِلَى كَذَا، فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لاَ يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلاَ عَدْلًا» ([11]).

وفي هذه الأحاديث أن من أحدث أو آوى محدثاً، فإنه متوعد باللعن وعدم قبول أعماله.

والإحداث هو فعل ما يخالف سنة النبي صلى الله عليه وسلم، من العبادات أو الأفعال المخالفة لهدية عليه الصلاة والسلام؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: « مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ، فَهُوَ رَدٌّ»([12]) وقوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» ([13]) .

هذان الحرمان مهوى أفئدة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، أمنهما من أمن المسلمين أينما كانوا وبأي هوية كانوا.

وإن مما يناقض أمنهما ويعارض استقرارهما ويعكر صفو العبادة فيهما الإلحاد أو الإحداث فيهما وزعزعت الأمن فيهما وفي كل ما له علاقة بأمنهما، وما من أحد من المسلمين إلا ويفتدي الحرمين بأغلى ما يملك؛ من الروح والمال والأهل؛ لذلك يجب على كل مسلم معرفة خطورة الإلحاد فيهما، وصوره وأشكاله ليحذره ويُحَذِرُ منه .

ومن صور الإلحاد:

 ترك الواجبات، وفعل المحرمات؛ لأن الله توعد الملحد في الحرم بالعذاب الأليم سواء في حرم مكة أو حرم المدينة، فالفارق بينهما أن الإلحاد في حرم مكة توعد الله من يَهِمُ به ولو لم يفعله.

 أما في حرم المدينة، فقرن الوعيد بالفعل كما سبق في الأدلة، وكل ذنب توعد الله عليه بالعذاب، فهو من الكبائر كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية من "أنه يشمل كل ما ثبت في النصوص أنه كبيرة كالشرك، والقتل، والزنا، والسحر، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات، وغير ذلك من الكبائر التي فيها عقوبات مقدرة، ويشمل أيضاً ما ورد فيه الوعيد كالفرار من الزحف وأكل مال اليتيم وأكل الربا وعقوق الوالدين واليمين الغموس وشهادة الزور، ويشمل كل ذنب توعد صاحبه؛ بأنه لا يدخل الجنة، وما قيل فيه من فعله فليس منا، وما ورد من نفي الإيمان عن من ارتكبه كقوله صلى الله عليه وسلم: «لاَ يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ»([14]).

 فكل من نفي الله عنه الإيمان والجنة أو كونه من المؤمنين، فهو من أهل الكبائر؛ لأن هذا النفي لا يكون لترك مستحب، ولا لفعل صغيرة، بل لفعل كبيرة".

 والإلحاد في الحرم مما توعد الله عليه، يقول ابن جرير الطبري:" يعني أن تستحلّ من الحرام ما حرّم الله عليك من لسان أو قتل، فتظلم من لا يظلمك، وتقتل من لا يقتلك، فإذا فعل ذلك فقد وجب له عذاب أليم.

وعن مجاهد: ((وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيم))([15]) قال: يعمل فيه عملا سيئاً.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد مثله.

وعن عبدالله، قال: ما من رجل يهمّ بسيئة، فتكتب عليه، ولو أن رجلاً بعدن أبيّن همّ أن يقتل رجلاً بهذا البيت، لأذاقه الله من العذاب الأليم.

وعن الضحاك بن مزاحم، قال: إن الرجل ليهم بالخطيئة بمكة وهو في بلد آخر ولم يعملها، فتكتب عليه.

وقال ابن زيد: الإلحاد: الظلم في الحرم.

وقال ابن عباس: (بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ) قال: الذي يريد استحلاله متعمداً، ويقال: الشرك. وعن حبيب بن أبي ثابت، قال: هم المحتكرون الطعام بمكة.

وعن عبدالله بن عمرو، قال: كان له فسطاطان: أحدهما في الحلّ، والآخر في الحرم، فإذا أراد أن يعاتب أهله عاتبهم في الحلّ، فسئل عن ذلك، فقال: كنا نحدّث أن من الإلحاد فيه أن يقول الرجل: كلا والله، وبلى والله.

وعن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما قال: لا والله وبلى والله من الإلحاد فيه.

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال التي ذكرناها في تأويل ذلك بالصواب القول الذي ذكرناه عن ابن مسعود وابن عباس، من أنه معنيّ بالظلم في هذا الموضع كلّ معصية لله، وذلك أن الله عم بقوله ((وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيم))([16]) ولم يخصص به ظلم دون ظلم في خبر ولا عقل، فهو على عمومه. فإذا كان ذلك كذلك، فتأويل الكلام: ومن يرد في المسجد الحرام بأن يميل بظلم، فيعصي الله فيه، نذقه يوم القيامة من عذاب موجع له([17]).

وقال القرطبي:" وَالْمَعَاصِي تُضَاعَفُ بِمَكَّةَ كَمَا تُضَاعَفُ الْحَسَنَاتُ، فَتَكُونُ الْمَعْصِيَةُ مَعْصِيَتَيْنِ، إِحْدَاهُمَا بِنَفْسِ الْمُخَالَفَةِ وَالثَّانِيَةُ بِإِسْقَاطِ حُرْمَةِ الْبَلَدِ الْحَرَامِ... وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ أَنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (احْتِكَارُ الطَّعَامِ فِي الْحَرَمِ إِلْحَادٌ فِيهِ) ([18]). وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ([19]). وَالْعُمُومُ يَأْتِي عَلَى هَذَا كُلِّهِ... وَهَذَا الْإِلْحَادُ وَالظُّلْمُ يَجْمَعُ جميع الْمَعَاصِيَ مِنَ الْكُفْرِ إِلَى الصَّغَائِرِ، فَلِعِظَمِ حُرْمَةِ الْمَكَانِ تَوَعَّدَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى نِيَّةِ السَّيِّئَةِ فِيهِ. وَمَنْ نَوَى سَيِّئَةً وَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ يُحَاسَبْ عَلَيْهَا إِلَّا فِي مَكَّةَ. هَذَا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَجَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ"([20]).

ويقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله "الذي يظهر في هذه المسألة : أن كل مخالفة بترك واجب أو فعل محرم : تدخل في الظلم المذكور، وأما الجائز كعتاب الرجل امرأته أو عبده : فليس من الإلحاد، ولا من الظلم.

قال بعض أهل العلم: من همَّ أن يعمل سيئة في مكة : أذاقه الله العذاب الأليم بسبب همِّه بذلك، وإن لم يفعلها، بخلاف غير الحرم المكي من البقاع، فلا يعاقب فيه بالهم، وعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه :" لو أن رجلاً أراد بإلحاد فيه بظلم وهو بِعَدَنٍ أَبْيَن لأذاقه الله من العذاب الأليم " وهذا ثابت عن ابن مسعود، ووقفه عليه أصح من رفعه ، والذين قالوا هذا القول استدلوا له بظاهر قوله تعالى: ((وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيم))([21]) لأنه تعالى رتَّب إذاقة العذاب الأليم على إرادة الإلحاد بالظلم وفيه ترتيب الجزاء على شرطه، ويؤيد هذا قول بعض أهل العلم إن الباء في قوله (بإلحاد) لأجل أن الإرادة مضمنة معنى الهمِّ، أي : ومن يهم فيه بإلحاد، وعلى هذا الذي قاله ابن مسعود وغيره.

فهذه الآية الكريمة مخصِّصة لعموم قوله صلى الله عليه وسلم : «... وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ، فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً»([22]) : فهذا التخصيص لشدة التغليظ في المخالفة في الحرم المكي، ووجه هذا ظاهر .

ويحتمل أن يكون معنى الإرادة في قوله ((وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ )) العزم المصمم على ارتكاب الذنب فيه، والعزم المصمم على الذنب ذنب يعاقب عليه في جميع بقاع الله مكة وغيرها، والدليل على أن إرادة الذنب إذا كانت عزماً مصمماً عليه أنها كارتكابه : حديث أبي بكرة رضي الله عنه الثابت في الصحيح :«إِذَا التَقَى المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالقَاتِلُ وَالمَقْتُولُ فِي النَّارِ» ، فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: هَذَا القَاتِلُ فَمَا بَالُ المَقْتُولِ؟ قَالَ: «إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ»([23]) فقولهم : ما بال المقتول ؟ : سؤال عن تشخيص عين الذنب الذي دخل بسببه النار مع أنه لم يفعل القتل ، فبيَّن النَّبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ» أن ذنبه الذي أدخله النار: هو عزمه المصمم وحرصه على قتل صاحبه المسلم، وقد قدمنا مراراً أنَّ " إنَّ " المكسورة المشددة: تدل على التعليل، كما تقرر في مسلك الإيماء والتنبيه.

ومثال المعاقبة على العزم المصمم على ارتكاب المحظور فيه : ما وقع بأصحاب الفيل من الإهلاك المستأصل بسبب طير أبابيل ((تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيل))([24]) لعزمهم على ارتكاب المنكر في الحرم، فأهلكهم الله بذلك العزم قبل أن يفعلوا ما عزموا عليه . والعلم عند الله تعالى.

 والظاهر أن الضمير في قوله ( فِيهِ ) راجع إلى المسجد الحرام، ولكن حكم الحرم كله في تغليظ الذنب المذكور كذلك، والله تعالى أعلم"([25]).

 ويقول ابن القيم- رحمه الله-:"والمسجد الحرام هنا: المراد به الحرم كُلُّهُ".([26])

وفي الحديث السابق :( وَلاَ يُنَفَّرُ صَيْدُهَا) فانظر إلى تعبيره عليه الصلاة والسلام الذي يفيد أن تنفير الصيد واستثارته حرام، فكيف بقتله؟! وهذا  كما يسميه علماء الأصول من باب التنبيه بالأدنى على ما هو أعلى منه، فإذا كان تنفير الصيد وهو إحداث ما يدعو إلى خوفه وتحريكه  حرام عليه، فكيف إذا قتلها؟! فإنه من باب أولى وأحرى بالحرمة، فكيف بمن يتعمد ترويع المؤمنين الآمنين وأذية الراكعين الساجدين!!!.

 هذا في حرم مكة المكرمة سواء أطلق على عموم حرم مكة أو على المسجد الحرام على وجه الخصوص.

 أما المدينة، فالنهي مرتبط بوقوع الذنب والإحداث فيها بالفعل، كما في حديث أَنَسٍ رضي الله عَنْهُ السابق الذكر.

والخلاصة:

 أن ارتكاب المحرمات وترك الواجبات مما حرمه الله في الحرمين، وإن كان مكة أشد حرمة من المدينة التي لابد من ارتكاب المحرم حتى يشمل الفاعل الوعيد بالعذاب، وأن هذه الحرمة مما جاء التشديد فيه في نصوص الشرع المستفيضة وأقوال أهل العلم.

وهنا سؤال يوجه للعقلاء في العالم الإسلامي.

 أين ترون موقع من يتوعدون حجاج بيت الله الحرام ويروعون زوار مسجد نبيه صلى الله عليه وسلم من خلال هذه النصوص الشرعية وغيرها من النصوص التي لايتسع المقام لذكرها وأقوال أئمة الإسلام؟!!!

هل ترونهم يتشبهون بأصحاب الفيل الذي قصدوا هدم الكعبة ! أم ترونهم أحفاد القرامطة  الذين غدروا بأهل مكة وبحجاج  بيت الله الحرام وانتهكوا حرمات المكان والزمان والناس، وقتلوا من قتلوا من المسلمين من أهل مكة وحجاج بيت الله الحرام وانتهى بهم الأمر إلى سلب الكعبة وعاثوا في الأرض فساداً!!! فما هؤلاء وسلفهم إلا سراق وقطاع طريق بين الخلق والخالق وأهل زيغ وهوى .

فبشراهم قول ربنا: ((وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيم))([27]) فأي إلحاد أعظم وأكبر من تهديد  وترويع الآمنين من أهل بلاد الحرمين وحجاج بيت الله وزوار مسجد نبيه صلى الله عليه وسلم!!!

ولكن ...

من يقرأ التاريخ ويعرف الأوضاع يعلم علم يقين بأن ما يقال الآن؛ إنما هو نبح على قافلة وعواء في الخلاء، فكلامهم لا يعدوا كونه كلام سفهاء أحلام لا يرد عليهم ويصدق في حقهم قول القائل:

إذا نطق السفيه فلا تجبه                            فخير من إجابته السكوت

فإن كلَمتــــه فرَجت عنـه                          وإن خليتـه كمـداً يمـــوت([28])

فسلفهم القرامطة لم يستطيعوا دخول مكة وقتل المسلمين إلا  بالغدر، ولكن: «لاَ يُلْدَغُ المُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ»([29]).

فالحرمان وقاصديهما في حماية الله وحفظه عز وجل وفي حماية دولة التوحيد التي أقض مضاجع قرامطة العصر قوتها وحكمتها وتكاتف أهلها وعزيمة رجالها، وحنكة قيادتها، فقد أعدت لهم ولأمثالهم العدة، فهم أعداء الله وأعداء نبيه صلى الله عليه وسلم وأعداء عباد الله المؤمنين في كل زمان ومكان.

فلا أسلم الله لهم عقولاً يتفكرون بها ولا دين إليه يركنون.

 وبشراهم عذاب في الدنيا على يد عباد الله وفي الأخرة لهم العذاب الأليم الذي توعد الله به من يرد الإلحاد في حرمه .

الدكتورة/ بركة بنت مضيف الطلحي

 

 

 


([1]) رواه البخاري، كتاب: الجمعة، (1189) ومسلم، كتاب: الحج، (1397).

([2])سورة القصص:[ ٥٧].  

([3])سورة العنكبوت:[ ٦٧].

([4]) رواه البخاري، كتاب: الإحصار وجزاء الصيد(1737) ومسلم، كتاب: الحج(1353).

([5])سورة الحج: [٢٥].

([6]) بدائع الفوائد ( 2 / 259).

([7])مجموع فتاوى الشيخ ابن باز ( 16 / 135 ).

([8]) رواه البخاري، (4084) ومسلم، (1365).

([9]) رواه مسلم، (1362).

([10]) رواه البخاري (1867).

([11]) رواه البخاري (7300) و مسلم (463 - (1366)

([12]) رواه البخاري ، (7349) ومسلم، (1718)

([13]) رواه البخاري (7349) ومسلم، (1718)

([14]) رواه البخاري، (2475) ومسلم، (57).

([15]) سورة الحج[25].

([16]) سورة الحج[25].

([17]) تفسير الطبري (18/ 603) (18/601-602).

([18]) رواه أبو داود (2020)، وضعفه الألباني في: ضعيف سنن أبي داود، (346).

([19]) أخبار مكة، للأزرقي، (2/135) و (3/1776).

([20]) تفسير القرطبي، (12/ 36).

([21]) سورة الحج[25].

([22]) رواه البخاري، (6491) ومسلم، (131).

([23]) رواه البخاري (31) ومسلم، (2888).

([24]) سورة الفيل: [4].

([25]) أضواء البيان ( 4 / 294 ، 295).

([26]) زاد المعاد في هدي خير العباد: ( 3 / 434). 

([27]) سورة الحج[25].

([28])غرر الخصائص الواضحة (ص: 137)

([29]) رواه البخاري (6133) و مسلم (63 - (2998)

 

 

 


Bookmark and Share