تفاصيل الموضوع

سلسلة أخطاء عقدية

تاريخ الموضوع : 23-9-2018 الموافق | عدد الزيارات : 112

(2)

الغلو في التكفير 

 

الحمد لله وحده , والصلاة والسلام على رسول الله , وبعد :

       من الأخطاء العقدية التي هي من الكبائر بل ومن الشرور العظيمة الغلو في التكفير فإن التكفير حكمٌ شرعيٌّ له شروطه وضوابطه الشرعية فإذا اختلت الشروط والضوابط انقلب إلى الضد , فيصبح حكمًا ظالما جائرًا يفتح أبوابًا من الشرور بل والآثار المدمرة للأمة والأفراد. فإن التكفير أولا : شر على المكفر نفسه -لأن التكفير بلا حقّ كبيرةٌ من الكبائر يقع فيها صاحبها , لقوله عليه الصلاة والسلام : (( أيما رجل قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما )) وفي روايةٍ : ((ومن دعا رجلا بالكفر، أو قال: عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه)). فالمكفِّر بالظلم والعدوان بدل أن يفعل معروفًا أتى كبيرةً من الكبائر , وبدل أن ينهى عن منكرٍ صار هو المرتكب للمنكر واستحق الوعيد الوارد في الحديث .

        إن التكفير هو مذهب الخوارج , والخوارج هم أسوأ أهل البدع حالاً لقوله صلى الله عليه وسلم : (( شر قتلى تحت أديم السماء )) وقوله عنهم (كلاب النار), فمن كفر ظلما وعدوانا فهو إما خارجي أو متشبه بهم، ومن تشبه بقوم فهو منهم. -إن التكفير ظلمًا وعدوانًا يعود على مطلقه ومتبنيه بالشر في نفسه ؛ لأنه يقطع نفسه عمن كفَّرَه , وكلما اتسعت دائرة تكفيره كلما اتسعت دائرة انعزاله عن المجتمع حتى يصبح ثقيلاً على المجتمع، والمجتمع ثقيلٌ عليه , فيقع فريسةً سهلةً للشيطان , قال صلى الله عليه وسلم : (( عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة ؛ فإن الشيطان مع الواحد ومن الاثنين أبعد )) فإذا صار وحيدًا ساقه الشيطان إلى ما هو أكبرَ من التكفير , من عداوة المجتمع ومفاصلته والارتباط بأمثاله من الغلاة والمتنطعين , مما قد يسوقهم هذا الحال إلى أعمال لا يستطيعون فعلها وهم قلةٌ ضعفاء, فإذا صاروا مجموعة كثيرة وصار لهم شوكة فلا تسأل عن هلكتهم بإفسادهم . والتاريخ شاهدٌ بذلك . -كما أن للتكفير آثاراً خطيرة على الأهل والأقاربِ لأن الغالي في التكفير سينظر الى المجتمع كلِه بنظارة سوداء قاتمة وأولُ من يبتلى بشره أهلُه؛ والديه وسائرُ أقاربه لأن هذا الغالي سيكفرهم, فيكون ذلك سببًا في عقوقه لوالديه وقطيعته لأرحامه بلا مبررٍ شرعي , وسيكون الجفاء متبادَلاً بين المكفِّر ومن كفرهم ظلمًا وعدوانًا , فلا هو يتحملهم ويستطيع العيش معهم , ولا هم يتحملونه ويقبلون التعامل معه وهم يعلمون أنه يراهم كفارًا خارجين من الملة . فيكون ذلك سببًا في تدمير الأسرة وتشتيت كيانها ووقوع بعضهم في بعض .

وهذا أمرٌ مشاهدٌ من هؤلاء المكفِّرين معلوم من حالهم.

فانظر يارعاك الله :

كيف استطاع الشيطان أن يقلب تدين هذا الإنسان ليكون سببًا في شقائه وشقاء من حوله من أهله وأسرته ؟ لهذا كان من قول الشافعي رحمه الله : ( لأن يلقى اللهَ العبدُ بكل ذنبٍ ما خلا الشرك بالله خيرٌ له من أن يلقاه بشيءٍ من الأهواء ).

ومن أخطر آثار التكفير تكفيرهم للحكام والولاة فإن ولع التكفيريين بتكفير الولاة والطعن فيهم دأب هذه الفئة من أولهم إلى آخرهم. فقد كان موقف شيخهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم معلومًا فقد قال أحمقهم ذو الخويصرة لسيد البشر صلى الله عليه وسلم (يا محمد اتق الله واعدل) . واستمر هذا دأبهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم مع سائر الخلفاء والأمراء إلى عصرنا الحاضر . وتكفير الولاة من أشد آثار التكفير خطرًا على الأمة ؛ لأن الولاة هم رأس الهرم للأمة وحماتها بعد الله عز وجل, وهم من بيدهم مقاليد الأمور في هذه الحياة , وهم الذين يسوسون حياة الناس ويوجهونهم , فمن كفَّرهم بأمرٍ ليس من الكفر البواح كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه فقد أتى عظيمًا واجترح إثمًا كبيرًا , وفتح على الناس من الشر ما لا يعلم مداه إلا الله عزوجل , وذلك لأن الله عزوجل أمر بطاعتهم في قوله تعالى : { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا } [النساء: 59] وأن الرسول صلى الله عليه وسلم حرَّم الكلام فيهم والطعن فيهم فضلاً عن تكفيرهم , قال صلى الله عليه وسلم : (( من رأى من أميره شيئًا يكرهه فليصبر , فإنه من فارق الجماعة شبرًا فمات فميتة جاهلية )). أن تكفير الولاة والأمراء فيه تحفيزٌ وحضٌّ واضح على الخروج عليهم وقد حرم الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك فقال صلى الله عليه وسلم :(( من خرج من الطاعة وفارق الجماعة لقي الله يوم القيامة ولا حجة له , ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتةً جاهلية )) .

وفي الخروج عليهم من الشرور ما لا يعلم مداه إلا الله تعالى ؛ وهذا أمر مشاهدٌ معلومٌ في الأحداث الواقعية , فهذا حال سوريا وحال ليبيا وحال اليمن , كلها يضرب بعضٌهم رقاب بعض , وقد انفلت الحبل , فمن كفَّر الولاة فإنما أراد في حقيقة الحال أن تقع الأمة في مستنقع التقاطع والتدابر والتناحر والتقاتل ثم الفناء وذهاب الريح . لذا حذر السلف من ذلك وبينوا خطورته ومن ذلك قول الحسن البصري رحمه الله : "والله لو أن الناس إذا ابتلوا من قبل سلطانهم صبروا ما لبِثوا أن يرفع الله ذلك عنهم، وذلك أنهم يفزعون إلى السيف فيوكلوا إليه، ووالله ما جاءوا بيومِ خير قط، ثم تلا: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ} [الأعراف: 137]. فليتق الله المسلم أن يكون فاتحا للشر على نفسه وأهله وأمته بأمور مبتدعة ليست من دين الله بل هي مما حرم الله ورسوله وهي مفسدة لدين المرء وحياته في دنياه وأخراه . ومن نظر في الشرع أدرك أنه أراد من المسلمين أن يكونوا إخوة متحابين متآلفين يتراحمون فيما بينهم وكل يبذل الخير لإخوانه وإن لم يستطع فيكف شره عن الناس. هذا هو ديننا وهذه هي عقيدتنا أخوة ومحبة وتآلف وتراحم.

وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

 

(1)

الحلف بغير الله 

الحمد لله والصلاة والسلام على خير البشر نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم وبعد:

        حديثنا اليوم سيكون عن مخالفة عقدية يقع فيها كثير من المسلمين منهم من يقولها جهلا ومنهم من يقولها عمدا بل إنه يجري على ألسنة كثير من المسلمين ألا وهي الحلف بغير الله : والحلف عموما مسألة درج عليها البشر عموما لتأكيد الكلام فلا توجد أمة إلا وعندها من تعظمه من معبوداتها أو دساتيرها أو شعاراتها ولتأكيد الكلام وإظهار الإلتزام يُحلف بذلك المعظم لديهم .

ونحن المسلمين لا أعظم ولا أكمل ولا أجل من اسم الله تعالى فلذا شرع لنا أن يحلف المسلم على اسم الله تعالى فيقول "والله أفعل كذا، أو والله فعلت كذا، والله هو فعل كذا" ونحو ذلك وفي نفس الوقت حرم الله تعالى علينا أن نحلف بغيره وذلك أن الحلف بغير الله تعالى فيه اشكالية عقدية وانحراف عن التوحيد الواجب لله عزوجل ، لأن حقيقة الحلف هو تعظيم المحلوف به والتزام من الحالف بإسم المحلوف به بأنه سيؤدي ماحلف عليه أو أنه صادق في قوله، وأن المحلوف له عليه أن يصدقه فيه ويقبل منه ، فمن حلف على شيء فكأنه يقول لسامعه " إني صادق في قولي ودليل ذلك أني أضع اسم الله كفيلا علي فيما أقول، لذا قال الله تعالى ((وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ)) فمن هنا من حلف بغير الله فقد عظم المخلوق فوق مايستحق وجعله بهذا شريكا لله في هذا المقام؛ وإن لم يقصد التعظيم المطلق من كل وجه، فمجرد الحلف بالمخلوق محرم سواء استشعر الحالف مقام التشريك أم لم يستشعره فهو من شرك الألفاظ وقد حرمه النبي صلَّى الله عليه وسلم فقد روى أبوداود رحمه الله أن ابن عمر رضي الله عنهما سمع رجلا يحلف: يقول :لا والكعبة، فقال له ابن عمر: إني سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلم يقول: «من حلف بغير الله فقد أشرك»

        ومع الأسف الشديد فإن كثيرا من المسلمين يقع في هذا النوع من الحلف فتسمعهم يقولون : والنبي وحياة أبي أوحياة أمي أوبأولادي الذين لايوجد أعز منهم، وقد يحلف بالأمانة أوبالذمة، وهذه أمور منتشرة بين المسلمين للأسف هداهم الله مع وجود المنع الشديد والتحذير من النبي صلى الله عليه وسلم فقد روى البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلم : «من كان حالفا فلا يحلف إلا بالله»، وكانت قريش تحلف بآبائها، فقال: «لا تحلفوا بآبائكم» وروى أبوداود عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "لا تحلِفُوا بآبائكم، ولا بأمهاتِكم، ولا بالأندادِ، ولا تحلِفُوا إلا بالله عز وجل، ولا تحلِفُوا بالله إلا وأنتم صادقُون" وعن بريدة بن الحصيب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلم : «من حلف بالأمانة فليس منا» ولحرمة الحلف بغير الله تعالى وكونه شركا ثبت عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: «لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلي من أن أحلف بغيره وأنا صادق» وذلك أن الحلف بالله كذباً كبيرة من الكبائر أما الحلف بغير الله فهو من الشرك وهو معدود عند العلماء من الشرك الأصغر ومع ذلك اختار ابن مسعود الكبيرة على الشرك؛ لأن الشرك وإن كان أصغر ، لكنه أكبر من الكبائر .

فانظر يارعاك الله:

     كيف أن هذا الدين بني في كل أصوله وفروعه على التوحيد وأن الله تعالى له التعظيم وحده فلا يدانيه أحد ولا يساويه في ذلك أحد ، وأن الله تعالى أراد من المسلم أن يكون تعظيمه وعبوديته كلها لله تعالى ، وأن لايعبث به الشيطان فيسوقه الى تعظيم أحد من البشر أو من الخلق مثل تعظيم الله أو مايشعر بذلك حتى يكون المسلم عبدا لله وحده ويصدق فيه قول الله تعالى عن سيد البشر نبينا محمد صلَّى الله عليه وسلم في قوله ((قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ)) فكن كما أراد الله منك وكما شرع رسول الله صلَّى الله عليه وسلم لتكون عبدا لله وحده وتسلم من الشرك قليله وكثيره محققا بذلك قول الله تعالى ((قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا))

وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

Bookmark and Share

إضافة التعليق