تفاصيل الموضوع

سلسلة أخطاء عقدية

تاريخ الموضوع : 23-9-2018 الموافق | عدد الزيارات : 503

 

 (5)

عدم الدعاء لولاة الأمور أو الدعاء عليهم

الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم وبعد:

فإن مما نتأكد منه ونتيقن أن الله عز وجل حقق لنا قوله {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام: 38]

مع قوله صلى الله عليه وسلم "إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ، وَيُنْذِرَهُمْ شَرَّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ"[1]

فما من خير إلا علمناه ديننا وما من شر إلا حذرنا منه ديننا والسعيد من التزم الشرع وصبر على القدر

وإن مما أمرنا الله عز وجل طاعة ولاة امرنا وذلك في قوله تعالى {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59]

وامرنا بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم  كما حديث سَلَمَةُ بْنُ يَزِيدَ الْجُعْفِيُّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ قَامَتْ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ يَسْأَلُونَا حَقَّهُمْ وَيَمْنَعُونَا حَقَّنَا، فَمَا تَأْمُرُنَا؟ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ فِي الثَّانِيَةِ أَوْ فِي الثَّالِثَةِ، فَجَذَبَهُ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، وَقَالَ: «اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا، فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا، وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ»،[2]

وعَنْ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ، قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَهُوَ مَرِيضٌ، فَقُلْنَا: حَدِّثْنَا أَصْلَحَكَ اللهُ، بِحَدِيثٍ يَنْفَعُ اللهُ بِهِ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: دَعَانَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَايَعْنَاهُ، فَكَانَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا: «أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ»، قَالَ: «إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ اللهِ فِيهِ بُرْهَانٌ»[3]

والاحاديث في هذا المعنى كثيرة معلومة وليس المقصود هنا أن أبين وجوب طاعة ولاة الأمر؛ فهذا أمر قد رضعه أهل السنة مع لبن امهاتهم ولايخالف في ذلك إلا الخوارج ومن تبنى فكرهم في هذا الباب كالأحزاب السياسية في هذا الزمان كالإخوان المسلمين ومن تأثر بهم من خوارج العصر

وإنما المقصود هو أن ولي الأمر لما أوجب الشارع طاعته صار من البدهي لكل ذي دين أن من وجبت طاعته شرعا لا يجوز بحال الدعاء عليه ولا الطعن فيه ولا التشهير بأخطائه فكلنا يعرف أن من أوامر الشرع طاعة الوالدين فهل من عاقل يقول إنه يجوز الدعاء عليهما أو أحدهما، لا يوجد عاقل يقول ذلك لأن الله لم يفرض طاعتهما إلا وقد أوجب حبهما والدعاء لهما والنصح لهما.

ومن هذا الباب ولاة أمر المسلمين فإنه لما أمر الشارع بطاعتهم والنصح لهم لاشك أنه منع من الدعاء عليهم وإن من لازم النصح لهم الدعاء لهم والصدق في هذا

وقد بين أهل العلم ذلك ونصوا عليه في عقائدهم قال عبدالله بن المبارك رحمه الله مبينا صفات السني السالم من رأي الخوارج وبدعتهم "ومن قال الصلاة خلف كل بر وفاجر، والجهاد مع كل خليفة، ولم ير الخروج على السلطان بالسيف، ودعا لهم بالصلاح، فقد خرج من قول الخوارج أوله وآخره"[4].

قال البربهاري وإذا رأيت الرجل يدعو على السلطان فاعلم أنه صاحب هوى، وإذا رأيت الرجل يدعو للسلطان بالصلاح فاعلم أنه صاحب سنة إن شاء الله[5].

وعن الفضيل بن عياض قال: لو أن لي دعوة مستجابة ما جعلتها إلا في السلطان. قيل له: يا أبا علي فسر لنا هذا.

قال: إذا جعلتها في نفسي لم تعدني، وإذا جعلتها في السلطان صلح، فصلح بصلاحه العباد والبلاد.[6]

وقال الإمام أحمد " وإني لأرى طاعة أمير المؤمنين في السر والعلانية، وفي عسري ويسري ومنشطي ومكرهي، وأثرة علي، وإني لأدعو الله له بالتسديد والتوفيق، في الليل والنهار"[7]

وقال الطحاوي : (وندعُو لهم بالصلاح والمعافاة)[8]

وقال أبو عمر بن الصلاح رحمه الله: (والنصيحة لأئمة المسلمين: معاونتهم على الحق، وطاعتهم فيه، وتذكيرهم به، وتنبيههم في رفق ولطف، ومجانبة الوثوب عليهم، والدعاء لهم بالتوفيق وحث الأغيار على ذلك)[9]

وقال النووي عن حكم الدُّعاء لولاة أمور المسلمين في خطبة الجمعة: (فأما الدعاء لأئمة المسلمين وولاة أمورهم بالصلاح والإعانة على الحق والقيام بالعدل ونحو ذلك ولجيوش الإسلام فمستحب بالاتفاق والمختار أنه لا بأس بالدعاء للسلطان بعينه إذا لم يكن مجازفة في وصفه ونحوها)[10]

 

وقد حكى عن السلف ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فقال: ( ولهذا كان السلف كالفضيل بن عياض، وأحمد بن حنبل، وسهل بن عبد الله التستري، وغيرهم، يُعظِّمون قدرَ نعمة الله به - أي بالسلطان - ويرون الدُّعاءَ له ومناصحته من أعظم ما يتقرَّبون به إلى الله تعالى، مع عدم الطمَع في ماله ورئاسته، ولا لخشية منه، ولا لمعاونته على الإثم والعدوان)

فمع هذه التأكيدات والتي اعتبرها أهل العلم جزءا من عقيدة المسلم وما يميزه عن أصحاب الأهواء الخوارج ومن شاكلهم وأنها تطبيق عملي لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم  بطاعتهم والنصيحة لهم كما في حديث تميم الداري أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «الدين النصيحة» قلنا: لمن؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم»[11]

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه  عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاث لا يغل عليهن صدر مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة أولي الأمر، ولزوم جماعة المسلمين، فإن دعوتهم  تحيط من ورائهم "[12]

يقول الشيخ ابن باز رحمه الله (ومن النصيحة لله ولعباده: الدُّعاء لولاة أُمور المسلمين وحُكَّامهم بالتوفيق والهداية والصلاح في النيَّة والعمل، وأن يمنحهم الله البطانة الصالحة، التي تُعينهم على الخير، وتُذكِّرهم به

وهذا حقٌّ على كُلِّ مسلمٍ في كُلِّ مكانٍ، في هذه البلاد وفي غيرها، الدَّعوة لولاة الأمر بالتوفيق والهداية، وحُسن الاستقامة، وصلاح البطانة، وأن يُعينهم الله على كلِّ خيرٍ، وأن يُسدِّد خُطاهم ويمنحهم التوفيق لما فيه صلاح العباد والبلاد، فكلُّ مسلم يدعو لولاة أمور المسلمين بأن يُصلحهم الله وأن يَرُدَّهم للصواب، وأن يهديهم لِما يُرضيه سبحانه)

 

ومن هنا حذر كثير من اهل العلم من الدعاء على الولاة وأن هذا منهج الخوارج وفي هذا يقول الشيخ ابن باز رحمه الله حين سئل عمن يمتنع عن الدعاء لولي الأمر: "هذا من جهله و عدم بصيرته الدعاء لولي الأمر من أعظم القربات و من أفضل الطاعات و من النصيحة لله و لعباده .

و النبي صلى الله عليه وسلم لما قيل له إِنَّ دَوْسًا عَصَتْ ! قال : اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا وَأْتِ بِهِمْ ". يدعو للناس و السلطان أولى من يدعى له لأن صلاحه صلاح للأمة فالدعاء له من أهم الدعاء "

وقال الشيخ صالح الفوزان حفظه الله :" لا يجوز الدُّعاء عليهم: لأن هذا خروجٌ معنوي، مثل الخروج عليهم بالسلاح، وكونه دعا عليهم لأنه لا يرى ولايتهم، فالواجب الدعاء لهم بالهدى والصلاح، لا الدعاء عليهم، فهذا أصل من أصول أهل السنة والجماعة، فإذا رأيتَ أحداً يدعو على ولاة الأمور فاعلم أنه ضالٌ في عقيدته، وليس على منهج السلف، وبعض الناس قد يتخذ هذا من باب الغيرة والغضب لله عز وجل، لكنها غيرة وغضب في غير محلهما، لأنهم إذا زالوا حصلت المفاسد.. والإمام أحمد صَبَرَ في المحنة، ولم يثبت عنه أنه دعا عليهم أو تكلَّم فيهم، بل صبر، وكانت العاقبة له، هذا مذهب أهل السنة والجماعة، فالذين يدعون على ولاة أمور المسلمين ليسوا على مذهب أهل السنة والجماعة، وكذلك الذين لا يدعون لهم، وهذا علامة أن عندهم انحرافاً عن عقيدة أهل السنة والجماعة، وبعضهم يُنكر على الذين يدعون في خطبة الجمعة لولاة الأمور، ويقولون: هذه مداهنة، هذا نفاق، هذا تزلف، سبحان الله! هذا مذهب أهل السنة والجماعة، بل من السنة الدعاء لولاة الأمور؛ لأنهم إذا صلحوا صلح الناس، فأنت تدعو لهم بالصلاح والهداية والخير، وإن كان عندهم شرّ، فهم ما داموا على الإسلام فعندهم خير، فهذا مذهب أهل السنة والجماعة، أما مذهب أهل الضلال وأهل الجهل، فيرون هذا من المداهنة والتزلُّف، ولا يدعون لهم، بل يدعون عليهم. والغيرة ليست في الدعاء عليهم، فإن كنت تريد الخير فادعُ لهم بالصلاح والخير، فالله قادرٌ على هدايتهم وردهم إلى الحق، فأنت هل يئست من هدايتهم؟ هذا قنوط من رحمة الله، وأيضاً الدعاء لهم من النصيحة.. فهذا أصل عظيم يجب التنبه له، وبخاصة في هذه الأزمنة )[13]

فالدعاء لهم سنة مسنونة ومنهج سلفي والدعاء عليهم منهج بدعي وطريقة خارجية فعلى المسلم ليسلم له دينه ومنهجه أن ينقيه من الشوائب المتعلقة بحق الله عزوجل او حقوق خلقه، ويعلم أن من أعظم الحقوق ما كان خيره يعود إليه ومن أعظم الخير على الناس صلاح الحكام واستقامتهم وعدلهم والقلوب بيد الله عزوجل فإذا دعونا الله عزوجل للولاة فنحن استعملنا الدواء الناجح الناجع وإذا دعونا عليهم فكأننا إنما ندعوا على أنفسنا لأن صلاحهم صلاح لنا واستقامتهم بركتها علينا وعليهم أولم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم « وإنما الإمام جنة يقاتل من ورائه ويتقى به، فإن أمر بتقوى الله وعدل، فإن له بذلك أجرا وإن قال بغيره فإن عليه منه»[14] فالإمام جُنة أي ساتر وواقي مثل الترس أو الدرع الواقي الذي يتقى به ضربات الأعداء فهو منزلته من الأمة منزلة الترس من الفرد ومن يحب منا أن يخرق ترسه أو يتمزق درعه وقت القتال فتصل إليه ضربات الأعداء, فمن دعا للإمام فقد دعا في الحقيقة لنفسه وهو يؤمن بذلك مصالحه ومعاشه وعرضه ودمه وماله، فإن الإمام حاجز بين الناس وبين اعتداءاتهم وفتك بعضهم ببعض وكل الأئمة شرحوا هذا الحديث بذلك يقول العيني في شرحه لهذا الحديث : (الإمام جنة) "أي: يتقي بالإمام شر العدو وأهل الفساد والظلم، وكيف لا وإنه يمنع المسلمين من أيدي الأعداء ويحمي بيضة الإسلام ويتقي منه الناس ويخافون سطوته"[15]

وقال النووي (الإمام جنة) "أي كالستر لأنه يمنع العدو من أذى المسلمين ويمنع الناس بعضهم من بعض ويحمي بيضة الإسلام ويتقيه الناس ويخافون سطوته ومعنى يقاتل من ورائه أي يقاتل معه الكفار والبغاة والخوارج وسائر أهل الفساد والظلم مطلقا"[16]

فإذا كان هذا هو حقيقة الولاة فكيف يدعو عليهم عاقل فضلا عن مسلم وكيف لا يدعو لهم المسلم وهم جنة له وحماة له ولدينه وعرضه وماله ،

وكل من رأى أو سمع عن البلاد التي انخرم فيها الأمن بقيامها على ولاتها وكيف صار أضعفها نهبا لأقواها وكيف زالت دولتهم وحل محلها عصابات تقتل وتسرق وتتحكم وذهبت ريحهم وصاروا لقمة سائغة لأعدائهم يتحكمون بهم ويستغلون ثرواتهم وبدل حاكم طاغ واحد صار عندهم عشرات بل ربما مئات من الطغاة وصار حالهم مع حاكمهم السابق الذي يصفونه بالطغيان جَنة بالنسبة لوضعهم الحالي وصاروا يتمنون لو عاد الحال السابق ولن يعود .

إن في ذلك لعبرة لمن كان له قلب أو القى السمع وهو شهيد، أما من يخاطب ويتكلم من هوى وفيه بذرة الخروج أو الخوارج فهذا ينادى من مكان بعيد ولايسمع إلا ما أشرب من هواه نسأل الله المعافاة من حال أصحاب الأهواء، كما نسأله أن يصلح أحوال المسلمين وأن يقينا ويقي المسلمين شرور أعدائهم وأن يحفظ علينا ولاة أمرنا وأن يوفقهم لكل رشاد وأن ينصر بهم الإسلام والمسلمين 

وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

 


[1] صحيح مسلم (3/ 1472)

[2] صحيح مسلم (3/ 1474)

[3] صحيح مسلم (3/ 1470)

[4] شرح السنة للبربهاري (ص: 129)

[5] شرح السنة للبربهاري (ص: 113)

[6] شرح السنة للبربهاري (ص: 113) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (1/ 197) حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (8/ 91)

[7] البداية والنهاية (10/ 337)

[8] متن الطحاوية بتعليق الألباني (ص: 69)

[9] نقلها عنه ابن رجب في جامع العلوم والحكم (1/ 223)

[10] المجموع شرح المهذب (4/ 521)

[11] صحيح مسلم (1/ 74)

[12] مسند أحمد مخرجا (21/ 60)

[13] التعليقات المختصرة على متن العقيدة الطحاوية ص171-173

[14] صحيح البخاري (4/ 50) صحيح مسلم (3/ 1471)من حديث أبي هريرة رضي الله عنه

[15] عمدة القاري شرح صحيح البخاري (14/ 222)

[16] شرح النووي على مسلم (12/ 230)

 

(4)

نشر المقاطع التي فيها استهزاء بدين الله أو جرأة على الله عزوجل 

أو رسوله صلى الله عليه وسلم بالقول أو بالفعل

الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم وبعد:

      في هذه النشرة أذكر أمرا هو من الإشكالات الخطيرة والمؤذية لنفوس عموم المسلمين وهو تلك  المقاطع التي فيها تبجح في القول وإهانة بالفعل لكلام الله عزوجل أو رسوله صلى الله عليه وسلم وقد ذكرت هذا في نشرة سابقة وبينت فيها أن هذا دأب أهل الكفر والزندقة وبينت فيها أن الواجب على المسلم أن لايسمع ولايشاهد تلك المقاطع بل مباشرة يحذفها لتموت في مكانها ويخيب ظن منشئها ويبطل مكره.

      وهنا أذكر موقفا آخر لبعض المسلمين هداهم الله من تلك المقاطع المشينة والمسيئة وهو أخطر من الاستماع والمشاهدة؛ ذلك هو نشر تلك المقاطع وإرسالها للمسلمين بغية التحذير منها، فهذه وسيلة شيطانية ومكر كبار من أهل الكفر بالمسلمين لنشر الباطل وترويجه بين المسلمين وضعفتهم وجهلتهم لعلهم يصطادون بذلك غرا أو غافلا عن الدين جاهلا به.

      ولاشك أن نشر تلك المقاطع هو مقصد وهدف لئلك الذين صنعوها وبثوها وقلنا هذا لايستغرب من أهل الكفر فهذا ديدنهم ، لكن أن يتولى المسلمون نشرها وتداولها بحجة التحذير منها أخشى أن يكون الناشر لها بأي ذريعة كانت مشاركا في الإثم ، نسأل الله المعافاة.

        ولابد هنا أن ننبه ونحذر سائر إخواننا المسلمين من هذا النوع من مكر أعداء المسلمين، فإن نشر ذلك محرم وخطير على عقيدة المسلم ودينه فإن الله حرم الاستماع لمثل ذلك الكلام والمشاهدة لتلك المقاطع بقوله تعالى{وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا} [النساء: 140]

       فكيف بنشرها، لقد عملها واحد وشاهدها واحد أو عشرة أو نحو ذلك، ثم هذا المتطوع بالنشر بحسن نية جعل المشاهدين والمستمعين بالألوف بل لعله الملايين نسأل الله المعافاة

        مع أنه لوحذفها من جهازه مباشرة لأماتها ورد كيد الكائد في نحره. لأن من وسائل إماتة الباطل عدم ذكره.

      ومما يؤكد حرمة نشر مثل ذلك هو قوله تعالى{وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ } [الأنعام: 108]

فالله عزوجل نهى المسلمين أن يسبوا آلهة المشركين حتى لا يسبوا الله سبحانه وتعالى مع أن سب آلهتهم هو تنقيص لقدرها وبيان لبطلان عبادتها، ومع هذه المصلحة لما كانت مفسدة سب الله تعالى أعظم من تلك المصلحة نهى الله تبارك وتعالى عنها حتى لايتلفظوا هم بألفاظ قبيحة في جناب الله، فكيف نحن المسلمين ننقل تلك الألفاظ وننشرها بصوت متلفظها وقباحة تصرفاته فنكون بذلك ناشرين لمقالة السوء وقول السوء في حق الله تعالى؟! لا شك أن هذا جرم عظيم وجناية كبيرة على الأمة.

       وماهي المصلحة التي تعود على المسلمين في نشر تلك المقاطع القبيحة لفظا ومعنى ليس لذلك أدنى مصلحة بل هي مضرة كبرى وبلية عظمى ولو لم يكن من ذلك إلا نشر مقالة السوء في الله تعالى ودينه ورسوله صلى الله عليه وسلم وكفى بذلك جرما تحت أي ذريعة .

       ومن زعم أنه يريد أن يحذر الناس من ذلك فليعلم أن الناس غافلون عن مثل ذلك ،

      ومن أراد بزعمه أن تصل إلى مسؤول ليعاقب الفاعل فالحق أنه ارتكب جريمة بصورة عمل صالح ، ولو هدي هذا الناشر لذهب إلى المسؤول وأبلغه فيما بينه وبينه وليس ينشر ذلك على الملأ

      لأن من مسلمات الدين وتحذيرات رب العالمين للمسلمين التكلم بالسوء ونشر الفاحشة بالقول أو الحكاية فضلا عن الفعل وفضلا عن نشر الكفر ومقالات وأفعال الزنادقة

        قال تعالى{إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النور: 19]

        فالله تبارك وتعالى في هذه الآيات حرم الكلام فيما قد يقع من الفحش في القول أو بالفعل وذلك بتداول القصص في ذلك والحكايات  

      يقول الشيخ السعدي رحمه الله في قوله تعالى{إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ} فإذا كان هذا الوعيد، لمجرد محبة أن تشيع الفاحشة، واستحلاء ذلك بالقلب، فكيف بما هو أعظم من ذلك، من إظهاره، ونقله؟ " وسواء كانت الفاحشة، صادرة أو غير صادرة".

      وقال الشيخ ابن عاشور رحمه الله "ومعنى: أن تشيع الفاحشة أن يشيع خبرها، لأن الشيوع من صفات الأخبار والأحاديث "

       وقال:"ومن أدب هذه الآية أن شأن المؤمن أن لا يحب لإخوانه المؤمنين إلا ما يحب لنفسه، فكما أنه لا يحب أن يشيع عن نفسه خبر سوء كذلك يجب عليه أن لا يحب إشاعة السوء عن إخوانه المؤمنين. ولشيوع أخبار الفواحش بين المؤمنين بالصدق أو بالكذب مفسدة أخلاقية فإن مما يزع الناس عن المفاسد تهيبهم وقوعها وتجهمهم وكراهتهم ؛ سوء سمعتها وذلك مما يصرف تفكيرهم عن تذكرها -بله الإقدام عليها- رويدا رويدا حتى تنسى وتنمحي صورها من النفوس، فإذا انتشر بين الأمة الحديث بوقوع شيء من الفواحش تذكرتها الخواطر وخف وقع خبرها على الأسماع فدب بذلك إلى النفوس التهاون بوقوعها وخف وقْعها على الأسماع فلا تلبث النفوس الخبيثة أن تقدم على اقترافها"

       فالذي نشر تلك المقالات والمقاطع هو في الحقيقة نشر الكفر والزندقة شعر أو لم يشعر قصد أو لم يقصد، فليكن كل واحد منا سدا منيعا فلا يؤتى المسلمون من قبله، ولا يكون هو مطية للكفار إلى إخوانه المسلمين وليعلم أن " المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده "

       وأن الكلمة مسؤلية خطيرة قال عليه الصلاة والسلام " «إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله، لا يلقي لها بالا، يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله، لا يلقي لها بالا، يهوي بها في جهنم»

       نسأل الله أن يفقهنا في ديننا ويرد كيد الكائدين في نحورهم وينصرنا على أعدائنا وأن يصلح أحوال المسلمين في كل مكان .

   وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

 

(3)

مشاهدة أو استماع المقاطع التي فيها استهزاء

بدين الله أو جرأة على الله عزوجل أو رسوله صلى الله عليه وسلم

بالقول أو بالفعل

الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم وبعد:

              إن من الإشكالات الخطيرة والمؤذية لنفوس عموم المسلمين مايسمعه المسلم بعض الأحيان أو يشاهده من مقاطع فيها تبجح في القول وإهانة بالفعل لكلام الله عزوجل أو رسوله صلى الله عليه وسلم ولا يخفى على مسلم أن هذا دأب الكفار والزنادقة وليس مستغرباً منهم فعل ذلك أو قوله  ، فإنهم أعداء الله وإخوان الشياطين وهم ممن ركبهم الشيطان وساقهم لهذه الأقوال والأفعال التي  هي في حقيقتها تعمق بعدهم عن الله عزوجل وتوجب لهم زيادة المقت من الله عزوجل لهم وازدياد غضبه عليهم  ويزيد من كفرهم وطغيانهم، وحالهم كما قال الله تعالى { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا (167) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (168) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا } [النساء: 167 - 169]كما أنهم بفعلهم لن يضرو الله شيئا كما قال تعالى{ وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (176) إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (177) وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} [آل عمران: 176 - 178]

        وقد قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم ساحر وكذاب ومفتر وآذوه بكل وسيلة أمكنهم فعلها، ونصره الله عزوجل وخذلهم وكان لهم ما توعدهم الله به بقوله(إنا أعطيناك الكوثر إن شانئك هو الأبتر) فهم المقطوعون من رحمة الله نسأل الله المعافاة.

وكما قلت فإن مثل هذه الأقوال والأفعال من أهل الكفر والزندقة ليست بغريبة منهم بل هذا دأبهم وديدنهم وهذا خلقهم وفساد طويتهم.

ولكن هنا إشكال خطير يتعلق بالمسلم وقد يقع فيه بعض المسلمين وهو لايشعر

       ذلك هو مشاهدة المسلم لمثل هذه المقاطع أو الاستماع إليها فذلك محرم تحريما شديدا وقد منع الله عزوجل المسلمين من ذلك وحكم أن الواجب على المسلم رفض ذلك والتخلص منه مباشرة إذا عرف أنه من هذا النوع من المقاطع أو الكلام، لما في ذلك من الأذى للمسلم بالطعن في مقدساته، وأعظم مقدس هو الله عزوجل وكلامه سبحانه أو هو كلام سوء عن أحب حبيب وأقرب قريب وأعظم البشر طرا ذاك رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن ذا يرضى أن يؤذى في مثل ذلك ،وقد قال تعالى مبينا حرمة هذا في آيتين في  كتاب الله عزوجل  ، إحداهما قوله تعالى{ وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}[الأنعام:68]

         قال أبو جعفر الطبري رحمه الله في بيان معنى الآية :كان خوضهم بها هو : استهزاؤهم بها، وسبهم من أنزلها وتكلم بها، وتكذيبهم بها وقوله في الآية "فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره "، يقول: فصد عنهم بوجهك، وقم عنهم، ولا تجلس معهم حتى يأخذوا في حديث غير الاستهزاء بآيات الله "( تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر(11/436))

أما الآية الأخرى فقوله تعالى{وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا} [النساء: 140]

         قال ابن جرير أيضا رحمه الله وقوله:"إنكم إذا مثلهم"، يعني: وقد نزل عليكم أنكم إن جالستم من يكفر بآيات الله ويستهزئ بها وأنتم تسمعون، فأنتم مثلهم يعني: فأنتم إن لم تقوموا عنهم في تلك الحال، مثلهم في فعلهم، لأنكم قد عصيتم الله بجلوسكم معهم وأنتم تسمعون آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها، كما عصوه باستهزائهم بآيات الله. فقد أتيتم من معصية الله نحو الذي أتوه منها، فأنتم إذا مثلهم في ركوبكم معصية الله، وإتيانكم ما نهاكم الله عنه. ( تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر (9/ 320))

فهذا حكم الله في المستمع لمن يستهزئ بآيات الله فلا يكفيه إنكارها بقلبه بل لابد من صم الآذان عن ذلك الكفر وغمض العيون عن مشاهدة ذلك الباطل وحذفه من جواله أو جهازه وتسبيح الله وتعظيمه، فإن الاستماع لذلك مع حرمته وأذيته لنفس المؤمن ؛ فإنه يعود بالشر على قلب المسلم، فإن القلب كما يقول بعض أهل العلم إنما سمي قلبا لتقلبه، فليس على كل حال يملك الإنسان قلبه، بل إن القلب هو الذي يملك الإنسان في كثير من الأحيان ويتحكم فيه، فلا يجوز تعريضه لهذه الشبهات الخطيرة فإن من منهج السلف البعد عن الشبهات مكانا وسماعا ورؤية .

       قال أبو قلابة: «لا تجالسوا أصحاب الأهواء»، أو قال «أصحاب الخصومات؛ فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم أو يلبسوا عليكم بعض ما تعرفون»،

ودخل رجلان من أصحاب الأهواء على محمد بن سيرين فقالا: يا أبا بكر نحدثك بحديث قال: لا، قالا: فنقرأ عليك آية من كتاب الله عز وجل، قال: «لا، لتقومان عني أو لأقومن»، قال: فقام الرجلان فخرجا، فقال بعض القوم: يا أبا بكر ما كان عليك أن يقرآ آية من كتاب الله عز وجل، فقال محمد بن سيرين: «إني خشيت أن يقرآ آية علي فيحرفانها فيقر ذلك في قلبي»

وقال رجل من أهل البدع لأيوب السختياني: يا أبا بكر أسألك عن كلمة، فولى، وهو يقول بيده «لا ولا نصف كلمة»

        وقال طاووس لابن له وتكلم رجل من أهل البدع: «يا بني أدخل أصبعيك في أذنيك حتى لا تسمع ما يقول»، ثم قال: «اشدد اشدد» (السنة لعبد الله بن أحمد (1/ 138)

وقال الحسن البصري: "لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تجادلوهم ولا تسمعوا منهم"(أخرجه الدارمي في سننه في المقدمة (ب. اجتناب أهل الهوى) 1/110، واللالكائي في السنة 1/33.)

       فهذا مع عظيم علم السلف ودينهم ويقينهم ومع ذلك هم يحرمون ويمنعون الجلوس أو السماع لكلام أهل الأهواء فضلا عن الزنادقة والكفار حفاظاً على دينهم فالسلامة لايعدلها شيء.

        فكيف بنا في هذا الزمن وكيف بعوام المسلمين وجهلتهم، فلاشك أن ذلك محرم تحريما شديدا سماعا ومشاهدة ومخالطة، وكم من مسلم بحسن نية أو بدافع الفضول استمع لمثل هذه المقاطع المقصودة ممن عملها ونشرها؛ فمرض قلبه ووقع في الشك والحيرة لأنه مثل إنسان غير محصن دخل مكانا موبوءا فيلتقط المرض ويصاب بالشر نسأل الله المعافاة

نسأل الله أن يحمينا ويحمي المسلمين، وأن يرد كيد أهل الكيد في نحورهم.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

(2)

الغلو في التكفير 

 

الحمد لله وحده , والصلاة والسلام على رسول الله , وبعد :

       من الأخطاء العقدية التي هي من الكبائر بل ومن الشرور العظيمة الغلو في التكفير فإن التكفير حكمٌ شرعيٌّ له شروطه وضوابطه الشرعية فإذا اختلت الشروط والضوابط انقلب إلى الضد , فيصبح حكمًا ظالما جائرًا يفتح أبوابًا من الشرور بل والآثار المدمرة للأمة والأفراد. فإن التكفير أولا : شر على المكفر نفسه -لأن التكفير بلا حقّ كبيرةٌ من الكبائر يقع فيها صاحبها , لقوله عليه الصلاة والسلام : (( أيما رجل قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما )) وفي روايةٍ : ((ومن دعا رجلا بالكفر، أو قال: عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه)). فالمكفِّر بالظلم والعدوان بدل أن يفعل معروفًا أتى كبيرةً من الكبائر , وبدل أن ينهى عن منكرٍ صار هو المرتكب للمنكر واستحق الوعيد الوارد في الحديث .

        إن التكفير هو مذهب الخوارج , والخوارج هم أسوأ أهل البدع حالاً لقوله صلى الله عليه وسلم : (( شر قتلى تحت أديم السماء )) وقوله عنهم (كلاب النار), فمن كفر ظلما وعدوانا فهو إما خارجي أو متشبه بهم، ومن تشبه بقوم فهو منهم. -إن التكفير ظلمًا وعدوانًا يعود على مطلقه ومتبنيه بالشر في نفسه ؛ لأنه يقطع نفسه عمن كفَّرَه , وكلما اتسعت دائرة تكفيره كلما اتسعت دائرة انعزاله عن المجتمع حتى يصبح ثقيلاً على المجتمع، والمجتمع ثقيلٌ عليه , فيقع فريسةً سهلةً للشيطان , قال صلى الله عليه وسلم : (( عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة ؛ فإن الشيطان مع الواحد ومن الاثنين أبعد )) فإذا صار وحيدًا ساقه الشيطان إلى ما هو أكبرَ من التكفير , من عداوة المجتمع ومفاصلته والارتباط بأمثاله من الغلاة والمتنطعين , مما قد يسوقهم هذا الحال إلى أعمال لا يستطيعون فعلها وهم قلةٌ ضعفاء, فإذا صاروا مجموعة كثيرة وصار لهم شوكة فلا تسأل عن هلكتهم بإفسادهم . والتاريخ شاهدٌ بذلك . -كما أن للتكفير آثاراً خطيرة على الأهل والأقاربِ لأن الغالي في التكفير سينظر الى المجتمع كلِه بنظارة سوداء قاتمة وأولُ من يبتلى بشره أهلُه؛ والديه وسائرُ أقاربه لأن هذا الغالي سيكفرهم, فيكون ذلك سببًا في عقوقه لوالديه وقطيعته لأرحامه بلا مبررٍ شرعي , وسيكون الجفاء متبادَلاً بين المكفِّر ومن كفرهم ظلمًا وعدوانًا , فلا هو يتحملهم ويستطيع العيش معهم , ولا هم يتحملونه ويقبلون التعامل معه وهم يعلمون أنه يراهم كفارًا خارجين من الملة . فيكون ذلك سببًا في تدمير الأسرة وتشتيت كيانها ووقوع بعضهم في بعض .

        وهذا أمرٌ مشاهدٌ من هؤلاء المكفِّرين معلوم من حالهم.

فانظر يارعاك الله :

         كيف استطاع الشيطان أن يقلب تدين هذا الإنسان ليكون سببًا في شقائه وشقاء من حوله من أهله وأسرته ؟ لهذا كان من قول الشافعي رحمه الله : ( لأن يلقى اللهَ العبدُ بكل ذنبٍ ما خلا الشرك بالله خيرٌ له من أن يلقاه بشيءٍ من الأهواء).

        ومن أخطر آثار التكفير تكفيرهم للحكام والولاة فإن ولع التكفيريين بتكفير الولاة والطعن فيهم دأب هذه الفئة من أولهم إلى آخرهم. فقد كان موقف شيخهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم معلومًا فقد قال أحمقهم ذو الخويصرة لسيد البشر صلى الله عليه وسلم (يا محمد اتق الله واعدل) . واستمر هذا دأبهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم مع سائر الخلفاء والأمراء إلى عصرنا الحاضر . وتكفير الولاة من أشد آثار التكفير خطرًا على الأمة ؛ لأن الولاة هم رأس الهرم للأمة وحماتها بعد الله عز وجل, وهم من بيدهم مقاليد الأمور في هذه الحياة , وهم الذين يسوسون حياة الناس ويوجهونهم , فمن كفَّرهم بأمرٍ ليس من الكفر البواح كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه فقد أتى عظيمًا واجترح إثمًا كبيرًا , وفتح على الناس من الشر ما لا يعلم مداه إلا الله عزوجل , وذلك لأن الله عزوجل أمر بطاعتهم في قوله تعالى : { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا } [النساء: 59] وأن الرسول صلى الله عليه وسلم حرَّم الكلام فيهم والطعن فيهم فضلاً عن تكفيرهم , قال صلى الله عليه وسلم : (( من رأى من أميره شيئًا يكرهه فليصبر , فإنه من فارق الجماعة شبرًا فمات فميتة جاهلية )). أن تكفير الولاة والأمراء فيه تحفيزٌ وحضٌّ واضح على الخروج عليهم وقد حرم الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك فقال صلى الله عليه وسلم :(( من خرج من الطاعة وفارق الجماعة لقي الله يوم القيامة ولا حجة له , ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتةً جاهلية )) .

        وفي الخروج عليهم من الشرور ما لا يعلم مداه إلا الله تعالى ؛ وهذا أمر مشاهدٌ معلومٌ في الأحداث الواقعية , فهذا حال سوريا وحال ليبيا وحال اليمن , كلها يضرب بعضٌهم رقاب بعض , وقد انفلت الحبل , فمن كفَّر الولاة فإنما أراد في حقيقة الحال أن تقع الأمة في مستنقع التقاطع والتدابر والتناحر والتقاتل ثم الفناء وذهاب الريح . لذا حذر السلف من ذلك وبينوا خطورته ومن ذلك قول الحسن البصري رحمه الله : "والله لو أن الناس إذا ابتلوا من قبل سلطانهم صبروا ما لبِثوا أن يرفع الله ذلك عنهم، وذلك أنهم يفزعون إلى السيف فيوكلوا إليه، ووالله ما جاءوا بيومِ خير قط، ثم تلا: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ[الأعراف:137]. فليتق الله المسلم أن يكون فاتحا للشر على نفسه وأهله وأمته بأمور مبتدعة ليست من دين الله بل هي مما حرم الله ورسوله وهي مفسدة لدين المرء وحياته في دنياه وأخراه . ومن نظر في الشرع أدرك أنه أراد من المسلمين أن يكونوا إخوة متحابين متآلفين يتراحمون فيما بينهم وكل يبذل الخير لإخوانه وإن لم يستطع فيكف شره عن الناس. هذا هو ديننا وهذه هي عقيدتنا أخوة ومحبة وتآلف وتراحم.

وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

 

(1)

الحلف بغير الله 

          الحمد لله والصلاة والسلام على خير البشر نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم وبعد:

        حديثنا اليوم سيكون عن مخالفة عقدية يقع فيها كثير من المسلمين منهم من يقولها جهلا ومنهم من يقولها عمدا بل إنه يجري على ألسنة كثير من المسلمين ألا وهي الحلف بغير الله : والحلف عموما مسألة درج عليها البشر عموما لتأكيد الكلام فلا توجد أمة إلا وعندها من تعظمه من معبوداتها أو دساتيرها أو شعاراتها ولتأكيد الكلام وإظهار الإلتزام يُحلف بذلك المعظم لديهم .

        ونحن المسلمين لا أعظم ولا أكمل ولا أجل من اسم الله تعالى فلذا شرع لنا أن يحلف المسلم على اسم الله تعالى فيقول "والله أفعل كذا، أو والله فعلت كذا، والله هو فعل كذا" ونحو ذلك وفي نفس الوقت حرم الله تعالى علينا أن نحلف بغيره وذلك أن الحلف بغير الله تعالى فيه اشكالية عقدية وانحراف عن التوحيد الواجب لله عزوجل ، لأن حقيقة الحلف هو تعظيم المحلوف به والتزام من الحالف بإسم المحلوف به بأنه سيؤدي ماحلف عليه أو أنه صادق في قوله، وأن المحلوف له عليه أن يصدقه فيه ويقبل منه ، فمن حلف على شيء فكأنه يقول لسامعه " إني صادق في قولي ودليل ذلك أني أضع اسم الله كفيلا علي فيما أقول، لذا قال الله تعالى ((وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ)) فمن هنا من حلف بغير الله فقد عظم المخلوق فوق مايستحق وجعله بهذا شريكا لله في هذا المقام؛ وإن لم يقصد التعظيم المطلق من كل وجه، فمجرد الحلف بالمخلوق محرم سواء استشعر الحالف مقام التشريك أم لم يستشعره فهو من شرك الألفاظ وقد حرمه النبي صلَّى الله عليه وسلم فقد روى أبوداود رحمه الله أن ابن عمر رضي الله عنهما سمع رجلا يحلف: يقول :لا والكعبة، فقال له ابن عمر: إني سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلم يقول: «من حلف بغير الله فقد أشرك»

        ومع الأسف الشديد فإن كثيرا من المسلمين يقع في هذا النوع من الحلف فتسمعهم يقولون : والنبي وحياة أبي أوحياة أمي أوبأولادي الذين لايوجد أعز منهم، وقد يحلف بالأمانة أوبالذمة، وهذه أمور منتشرة بين المسلمين للأسف هداهم الله مع وجود المنع الشديد والتحذير من النبي صلى الله عليه وسلم فقد روى البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلم : «من كان حالفا فلا يحلف إلا بالله»، وكانت قريش تحلف بآبائها، فقال: «لا تحلفوا بآبائكم» وروى أبوداود عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -: "لا تحلِفُوا بآبائكم، ولا بأمهاتِكم، ولا بالأندادِ، ولا تحلِفُوا إلا بالله عز وجل، ولا تحلِفُوا بالله إلا وأنتم صادقُون" وعن بريدة بن الحصيب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلم : «من حلف بالأمانة فليس منا» ولحرمة الحلف بغير الله تعالى وكونه شركا ثبت عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: «لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلي من أن أحلف بغيره وأنا صادق» وذلك أن الحلف بالله كذباً كبيرة من الكبائر أما الحلف بغير الله فهو من الشرك وهو معدود عند العلماء من الشرك الأصغر ومع ذلك اختار ابن مسعود الكبيرة على الشرك؛ لأن الشرك وإن كان أصغر ، لكنه أكبر من الكبائر .

فانظر يارعاك الله:

     كيف أن هذا الدين بني في كل أصوله وفروعه على التوحيد وأن الله تعالى له التعظيم وحده فلا يدانيه أحد ولا يساويه في ذلك أحد ، وأن الله تعالى أراد من المسلم أن يكون تعظيمه وعبوديته كلها لله تعالى ، وأن لايعبث به الشيطان فيسوقه الى تعظيم أحد من البشر أو من الخلق مثل تعظيم الله أو مايشعر بذلك حتى يكون المسلم عبدا لله وحده ويصدق فيه قول الله تعالى عن سيد البشر نبينا محمد صلَّى الله عليه وسلم في قوله ((قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ)) فكن كما أراد الله منك وكما شرع رسول الله صلَّى الله عليه وسلم لتكون عبدا لله وحده وتسلم من الشرك قليله وكثيره محققا بذلك قول الله تعالى ((قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا))

وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

Bookmark and Share