تفاصيل الفتوى

هل نرى ربنا يوم القيامة؟

س: لدينا طلاب متفقهون في الشرع، ويقولون بأن الله عز وجل سيرى يوم القيامة، فهل هذا صحيح؟ مع الدليل من الكتاب والسنة؟

 

 الجواب: رؤية الله تعالى يوم القيامة صحيح ثابت بالقرآن والسنة وإجماع السلف. فمن أدلة ذلك في كتاب الله قول الله تبارك وتعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) فناضرة الأولى بمعنى حسنة، وناظرة الثانية من النظر بالعين، ولهذا أضيف النظر إلى الوجوه التي هي محل الأعين. ومن ذلك قول الله تبارك وتعالى: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ) فقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم الحسنى بالجنة، والزيادة بالنظر إلى وجه الله عز وجل. ومن ذلك قول الله تبارك وتعالى: (كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ) (المطففين: 15) يعني في ذلك الفجار، وهذا دليل على أن الأبرار يرون الله عز وجل؛ لأن الله تعالى لما حجب هؤلاء في حال سخط كان المفهوم أن الله تعالى لا يحجب هؤلاء في حال الرضا، أعني: الأبرار. ومن ذلك قول الله تبارك وتعالى، وهي الآية الرابعة: (لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ) فإن المزيد ينبغي أن يفسر بما فسرت به الزيادة في قوله تعالى: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ) والذي فسر الزيادة بأنها النظر إلى وجه الله هو النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم أعلم الناس بمراد الله تعالى في كلامه. وأما السنة: فالأحاديث في ذلك متواترة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقد تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله يرى بالعين يوم القيامة، فمن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها فافعلوا) . والصلاة التي قبل طلوع الشمس هي صلاة الفجر، والتي قبل غروبها هي صلاة العصر، وهاتان الصلاتان أفضل الصلوات، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: (من صلى البردين دخل الجنة) . وقد صرح النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث أخرى تصريحاً بالغاً من أقوى التصريحات فقال: (إنكم سترون ربكم يوم القيامة عياناً بأبصاركم، كما ترون الشمس صحواً ليس دونها سحاب) . وأمَّا إجماع السلف: فهو أمر مشهور لا يخفى على أحد. ولهذا صرح بعض العلماء بأن من أنكر رؤية الله في الجنة فهو كافر؛ لأنه كذب القرآن والسنة، وخالف إجماع السلف، وقد قال الله تعالى: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً) . ولولا أننا نفضل الدعاء للمنكرين على الدعاء عليهم لقلنا: نسأل الله تعالى أن يحتجب عن من أنكروا رؤيته في الآخرة، ولكننا لا نفضل ذلك، بل نقول نسأل الله تعالى الهداية لمن التبس عليه الأمر، وأن يقر ويؤمن بما جاء في الكتاب والسنة. والعجب أن من الناس من ينكر رؤية الله في الآخرة بشبه يأتي بها من القرآن والسنة، أو بشبه عقلية لا أساس لها من الصحة. فمنهم من قال: إن رؤية الله تعالى غير ممكنة في الآخرة؛ لأن موسى عليه الصلاة والسلام قال: (قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي) . وقرروا دليلهم ذلك بأنّ (لن) تفيد التأبيد والتأبيد، يقتضي أن يكون هذا عامّاً في الدنيا والآخرة، فيكون قوله: لن تراني، أي في الدنيا وفي الآخرة. ولا شك أن هذا لبس وإلباس وتخبيط؛ لأن موسى إنما سأل الله الرؤية في تلك الساعة، بدليل أن الله تعالى قال له: (لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) . وسؤال موسى الرؤية يدل على إمكانها، إذ لو لم تكن ممكنة عقلاً ما سألها موسى عليه الصلاة والسلام، لكن الإنسان في الدنيا لا يستطيع أن يرى الله عز وجل، وذلك لقصوره وضعفه، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: (واعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا) . ويدل لهذا أن الله تعالى لما تجلى للجبل اندك الجبل وهو الحجر الأصم، فكيف يمكن لجسم ابن آدم الضعيف أن يثبت لرؤية الله عز وجل في هذه الدنيا؟ أما في الآخرة فشأنها غير شأن الدنيا، وفي الآخرة من الأمور ما لا يمكن إطلاقاً في الدنيا: دنو الشمس قدر ميل يوم القيامة، لو حدث ذلك في الدنيا لاحترقت الأرض ومن عليها. كون الناس في الموقف يختلفون، يعرقون فيختلفون في العرق: منهم من يصل إلى كعبيه، ومنهم من يصل إلى ركبتيه، ومنهم من يصل إلى حقويه، هذا أمر لا يمكن في الدنيا، لكنه في الآخرة ممكن. كون الناس يمشون على الصراط، وهو كما جاء في مسلم بلاغاً (أدق من الشعر وأحد من السيف) أمر لا يمكن في الدنيا، ويمكن في الآخرة. كون الناس يقفون خمسين ألف سنة لا يأكلون ولا يشربون، حفاة عراة غرلاً، هذا لا يمكن في الدنيا وأمكن في الآخرة. فإذا كانت رؤية الله في الدنيا لا تمكن فإنه لا يلزم من ذلك ألا تمكن في الآخرة، وأما دعواهم أن (لن) تفيد التأبيد فدعوى غير صحيحة، فإن الله تعالى قال في أهل النار: إنهم لن يتمنوا الموت أبداً بما قدمت أيديهم، قال ذلك في اليهود، وقال عن أهل النار يوم القيامة: (وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ) أي: ليهلكنا ويمتنا حتى نستريح، فهنا تمنوا الموت وسألوا الله تعالى أن يقضي عليهم، ولكن لا يتسنى لهم ذلك: (قال إنكم ماكثون) . ولهذا قال ابن مالك رحمه الله في الكافية:

 ومن رأى النفي بلن مؤبدا فقوله اردد وسواه فاعضدا

 والمهم أن من العقيدة عند السلف الواجبة أن يؤمن الإنسان بأن الله تعالى يرى يوم القيامة، ولكن متى يرى؟ يرى في الجنة إذا دخل أهل الجنةِ الجنةَ، فإن الله تعالى يكشف لهم كما شاء ومتى شاء وكيف شاء، فيرونه في عرصات القيامة، لا يراه الكافرون، يراه المؤمنون والمنافقون، ثم يحتجب الله تعالى عن المنافقين. والخلاصة: أنه يجب علينا أن نؤمن بأن الله تعالى يرى يوم القيامة رؤية حق بالعين، فإن قال قائل: وإذا رئي هل يدرك كما يدرك الرائي وجه مرئيه؟ قلنا: لا, لا يمكن أن يدرك؛ لأن الله تعالى قال: (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) . والعجب أن المنكرين لرؤية الله في الآخرة استدلوا بهذه الآية على أنه لا يرى، وهو استدلال غريب، فإن الآية تدل على أنه يرى أكثر مما تدل على أنه لا يرى، بل إنه ليس فيها دلالة إطلاقاً على أنه لا يرى؛ لأن الله تعالى إنما نفى الإدراك، والإدراك أخص من الرؤية، ونفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم، بل إنما يقتضي وجود الأعم، فنفي الإدراك دليل على وجود أصل الرؤية، ولهذا جعل السلف هذه الآية من الأدلة على ثبوت رؤية الله عز وجل في الآخرة، وهو استدلال صحيح واضح.

 فضيلة الشيخ محمد بن الصالح العثيمين